الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

127

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المكان المقصود ، وقرينة المجاز ذكر الاتباع والبلوغ في قوله : فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ . والدليل على إرادة غير معنى السبب في قوله تعالى : وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً إظهار اسم السبب دون إضماره ، لأنه لما أريد به معنى غير ما أريد بالأول حسن إظهار اسمه تنبيها على اختلاف المعنيين ، أي فاتبع طريقا للسير وكان سيره للغزو ، كما دلّ عليه قوله : حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ . ولم يعدّ أهل اللغة معنى الطريق في معاني لفظ السبب لعلهم رأوه لم يكثر وينتشر في الكلام . ويظهر أن قوله تعالى : أَسْبابَ السَّماواتِ [ فاطر : 37 ] من هذا المعنى . وكذلك قول زهير : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه أي هاب طرق المنايا أن يسلكها تنله المنايا ، أي تأتيه ، فذلك مجاز بالقرينة . والمراد ب مَغْرِبَ الشَّمْسِ مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته . وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة ، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل . والأشبه أن يكون ذو القرنين قد بلغ بحر الخزر وهو بحيرة قزوين فإنها غرب بلاد الصين . والقول في تركيب حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ كالقول في قوله : حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها . والعين : منبع ماء . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مهموزا مشتقا من الحمأة ، وهو الطين الأسود . والمعنى : عين مختلط ماؤها بالحمأة فهو غير صاف . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر ، وخلف : في عين حامية بألف بعد الحاء وياء بعد الميم ، أي حارة من الحمو وهو الحرارة ، أي أن ماءها سخن . ويظهر أن هذه العين من عيون النفط الواقعة على ساحل بحر الخزر حيث مدينة ( باكو ) ، وفيها منابع النفط الآن ولم يكن معروفا يومئذ . والمؤرخون المسلمون يسمونها البلاد المنتنة .